الزهراء (عليها السلام) القدوة الأبدية

 
لقد أسّس القرآن الكريم قانوناً هامّاً من أهم قوانين الكون كلها ، ألا وهو قانون (القدوة والأسوة) ، ليحفظ المسار الإنساني من الضلال والتيه والتخبّط ، فهذا مبدأ أراد البعض أن يطفئه بفمه عبر دعاوى نسبية الحقيقة أو نسبية فهمها ، أو عبر مقولات معاصرة الزمان التي تستدعي رفض التاريخ وصنّاع التاريخ، وغير ذلك من الدعاوى التي لا تصمد أمام البحث والدليل.

  إن حقيقة مبدأ القدوة وقيمة الإقتداء نجدها تشعّ نوراً في آيات الله العظيمة في قوله عزّ وجل :﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ، وقوله تعالى :﴿قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه ، فإن المطلوب هو أن يكون الإنسان مقتف أثر (الحسن الإلهي) ، أي تلك القيم والمعارف التي بشّر بها الله تعالى في القرآن الكريم ، ولكون الرسول الأعظم هو سيد الحسن فقد كان هو أسوة للناس كافّة في هذا المجال ، وكذلك نبي الله إبراهيم (عليه السلام) تمثّل فيه الحسن وكان قدوة وأسوة حسنة ، ففي الآيات تأكيد على ذكر الصفة وهي (حسنة) ليعرف الانسان أن الأسوة ليست عبثاً تعطى لكل شخص مهما بلغ ، بل هي وسام إلهي مشروط بأن يكون متمثّلاً للحسن الإلهي.
إن قانون الأسوة يؤدّي إلى فاعلية في الناس وحيوية تصطبغ بها حياتهم ، كونهم يقتفون أثر ذلك القدوة ، فهذا القانون وسيلة خيّرة لكل من كانت لديه مقاصد إلهية ، يرجوا بها الله تعالى واليوم الآخر ، كما هو ذيل كل من الآيتين اللتين تحدثتا عن الأسوة في القرآن الكريم ، حول الرسول الأعظم :
(لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً) [الأحزاب :21] ، وحول إبراهيم والذين معه ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيد[الممتحنة : 6].

بمعنى أنه عندما يكون هدف الإنسان رجاء الله واليوم الآخر ، فهذا لابد أن يتخذ مبدأ القدوة والأسوة طريقاً لبلوغ الرضا الإلهي ، لا أن يتخذ مناهج وأساليب مغايرة عن من حددهم الله ورسوله .

إذاً لابد أن نبحث عن من تتجسّد فيه قيمة الحسن ، ليكون قدوة لنا في مختلف شئون حياتنا ، ومن أبرز تلك الشخوص هي سيدتنا فاطمة الزهراء سلام الله عليها ، التي قال عنها رسول الله أنها أم أبيها ، وهي سيدة نساء العالمين ، فهي لم تكن الحسن وحسب ، بل فاقته لتكون مقياساً لكل عمل حسن وأنموذجاً لكافة البشر ، ففي حديث قيّم يقول الرسول الأعظم عن الزهراء : (..ولو كان الحسن شخصاً لكان فاطمة ، بل هي أعظم ، إن فاطمة ابنتي خير أهل الأرض عنصراً وشرفاً وكرماً)..

بهذا الوسام العظيم الذي توّجه الرسول لسيدتنا فاطمة سلام الله عليها ، تكون الزهراء أنوذجاً وقدوة يقتدي بها كل الخلق ، لأنها أعظم من الحسن نفسه ، كيف لا وأن رضاها وغضبها مقرون برضا الله وغضبه ، كما قال النبي كدلالة على عصمتها الأبدية ، وعصمتها عليها السلام يمكن أن تستفاد من كثير من الأحاديث ، و ما ذكرناه من حديث (الحسن) واحد منها ، لأن الرسول لم يشبّه الزهراء بالحسن ، ولم يصفها به وحسب ، بل قال هي معدن الحسن وأصله ، بل هي الأعظم ، فإذا كان الحسن هو مقياس كل قدوة وكل عمل  فإن الزهراء هي مقياس الحسن نفسه ، فأينما ذهبت فإن الحسن يقتدي بها في كافّة أعمالها ومواقفها وأقوالها ، من هنا لابد من واستيعاب نورها للناس كافّة ، فهي ليست قدوة للنساء وحسب ، بل هي قدوة الرجال أيضاً .

لقد تعودنا أن نتحدّث عن الزهراء وعن قيمها وعن نهجها ، وفضائلها وسلوكها ، عندما يراد منّا أن نتحدّث عن النساء ، ينبغي أن لا تلغى سعة القدوة للزهراء وأن لا تغيّب من حياتنا ، نساء ورجالاً ، فعندما ينقل لنا التاريخ بأنها كانت تقوم الليل وتدعوا للمؤمنين والمؤمنات ، وتقول عندما يسألها ابنها الإمام الحسن : يا أماه لم لا تدعين لنفسكِ كما تدعين لغيرك ؟ فتقول له : (يا بني ، الجار ثم الدار) .. فهذا ينبغي أن يكون سلوكاً نتمثّله رجالاً ونساءً ، وكذلك عندما ، تهم بالمطالبة بحقوقها ، وبالوقوف بجنب أبيها وبعلها كأمرأة رسالية ، ينبغي أن نقتدي بها ونهتدي بهديها ، وكذلك ينبغي على الرجال والنساء أن يلتقطوا الدرر الثمينة من كلامها سلام الله عليها في خطبتها الشهيرة وفي كلماتها وأدعيتها ..
 أن الكثير من القوى والإرادات تحاول أن تبعد الناس عن نهج فاطمة بوسائل مختلفة ، بقصد أو بغير قصد ،  كأن تشكك في قيمتها ومنزلتها الرفيعة ، أو تحجّم دورها الرسالي في الأمة عبر تأويلات جامدة ، وما إلى ذلك من تصورات قادمة من الخارج أو نابعة من الداخل ، التي من شأنها أن تحدّ من انتشار ذلك الحسن ، وتمثّل ذلك السلوك بنحو أو بآخر .. إلا أن الله يأبى إلا أن يتم نور فاطمة سلام الله عليها ، عندما جعل محبتها فطماً للناس من النار ، وغضبه تعالى لغضبها ورضاه جل شأنه لرضاها ، فلا بديل عن نهج فاطمة وعن محبتها ، وعن الإقتداء بنورها ، ﴿لمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً؟.

فما دامت هنالك حقيقتان ، الأولى : إن فاطمة هي أعظم من الحسن ، والثانية : أننا نرجوا الله واليوم الآخر .. فمهما تغيّر كل شيء في الحياة في الزمان أو المكان ، فلا بد أن نتخذ من الزهراء قدوة لنا ، في كل جانب من حياتها ، في حيائها ، وفي أخلاقها ، وفي حجابها ، وفي رساليتها ، وفي معارفها ، كلّنا .. رجالاً ونساء .