طبيب النفوس (21)

محمد حسن يوسف

(فَإِنَّ الْبُخْلَ وَ الْجُبْنَ وَ الْحِرْصَ غَرَائِزُ شَتَّى يَجْمَعُهَا سُوءُ الظَّنِّ بِاللَّهِ) (32/2)

يُرجِعُ باحثو علمِ الجريمة السلوك المنحرف غالباً إلى التركيبة النفسية للمجرم أو ما يسمّىٰ في العلم الديني بالمرض القلبي وهو دافعٌ قويٌّ لا ينبغي التغافل عنه لأنه قد يقود إلى الجرائم الكبرىٰ، لولا حسد قابيل لما قتل أخاه، ولولا حسد إخوة يوسف لما فعلوا الأفاعيل به، والبخل الشديد قاد قوم لوط إلى ما صاروا إليه.

لم يكن أحدٌ غير أميرِ المؤمنين عليه السلام - على حدّ علمي - أكمل سلسلة الدوافع ليصل إلى المرض الروحي، فعلماء نفس الجريمة يتوقّفون عند تشخيص الاضطراب النفسي والمتديّنون في الغالب يعزون إلى قلة الإيمان وضعف الوازع بعمومية.

في عهده عليه السلام لمالك الأشتر ينهاه عن استشارة ثلاثة، البخيل والجبان والحريص ويبيّن النتيجة السلوكية المترتبة على ذلك، ثمّ يُرجعُ تلك الصفات إلى جذرها الروحي "سوء الظنّ بالله". فكلّما تعلّق الإنسان بالمادة ترسّخ لديه بوهمٍ الإيمانُ بالنتائج الحتمية وكأن الله غير موجود، وكلّما ترفّع عنها أوكل نتيجتها إلى ربّ العباد الذي لايأتي منه إلا الخير ﴿وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ.

الرضا والصبر دعامتان أساسيتان لصحة النفس البشرية والنتيجتان المرجوّتان من كل الابتلاءات الإلهٰية، يجمعهما "حسنُ الظنّ بالله". فما عبارة (هوّن ما نزل بي أنّه بعين الله) و (فزتُ وربِّ الكعبة) إلا ما ستصلُ إليه أنت إن أحسنتَ بالله ظنّاً.

(أَللّهُمَّ إِنّي أَسْأَلُكَ إيْماناً تُباشِرُ بِهِ قَلْبي وَيَقيناً حَتّى أَعْلَمَ أَنَّهُ لَنْ يُصِيبَنِي إِلَّا ما كَتَبْتَ لي وَرَضِّني مِنَ الْعَيْشِ بِما قَسَمْتَ لي يا أَرْحَمَ الرّاحِمينَ).

عظّم الله أجوركم.

   ٢١ رمضان ١٤٤٧