كيف نتعامل مع خلافاتنا الداخلية؟

الشيخ عباس السعيد


أي مجتمع يواجه أزمة خانقة و اضطرابات اجتماعية وخلافات على شؤونه وقضاياه العامة والسياسية، غالباً ما ترافقها اضطرابات في النفوس والمشاعر، فتجد من يحرك مشاعر العداوة والكراهية والأحقاد بين المؤمنين ليحولها إلى خطر ماحق يهدد العلاقات ويدفع نحو الصراعات والمواجهات.

والذكر الحكيم يبين لنا أن هنالك طريقين في إدارة الخلافات، وهما مختلفان ولا يستويان لا في طبيعتهما الذاتية، ولا في آثارهما ونتائجهما: يقول تعالى: (وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ).

الأول: اعتماد الأساليب السيئة التي تفتت وحدة المؤمنين وتحرك فيهم المشاعر الحزبية والفئوية، من قبيل الدعوة إلى الفكر والرأي والموقف بالكلمة الخشنة الخشبية البذيئة الفارغة من البصيرة والحكمة، والإصرار على لغة التحريض والتخوين و التسقيط التي تغرق المجتمع في وحل الانقسام والتشظي.

ثانياً: اعتماد الأساليب الحسنة التي ترفع الاحتقان وتذوب بؤر الخلاف بين الأطياف والجماعات، وتجمع العقول والقلوب على المشتركات والثوابت الحياتية والاجتماعية، من خلال التعامل مع الآخر بالعفو والاحتواء والمداراة وعدم مقابلة الإساءة والتحريض والتخوين والتسقيط بمثله: (فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) وبذلك يمكن تقليص الأضرار الاجتماعية والالتفاف على كل عناصر التأجيج الحزبي والفئوي، وأن نأخذ بمجتمعنا إلى ساحة المحبة والترابط والتلاحم.

وشتان بين الأسلوبين؛ (وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ) ولا يستوي العفو مع التحريض، ولا الكلمة اللينة الحكيمة مع الكلمة الخشنة الخشبية، ولا طهارة الأخلاق مع التسافل والبذاءة، ولا المداراة والاحتواء مع المصادمة والمواجهة، ولا الحلم والصبر مع الطيش والانفلات.
هذا هو خلق القرآن الذي أدعو جميع من نالتهم سهام الكلمات إلى التمسك به في هذه الظروف الحالكة، وهي أخلاقيات مناقبية عالية يوصي بها القرآن حتى مع من يتحرك من منطلق الأحقاد والعداوة، فضلاً عن من ينطلق من منطلقات نبيلة، ونحسب أنه قد خانته مشاعر الغيرة والحرص على القيم والمبادئ ومصالح المجتمع.