إلى الداخل العوامي

التشهير- أدب الاختلاف وحدوده الشرعية (6)

الشيخ عباس السعيد

أنتج اختلاف المجتمع العوامي الدائر بين أطيافه واتجاهاته وخطوطه الثقافية والفكرية في الموقف من أزمته الراهنة، وتحليل أسبابها، وتشخيص الأولويات والخطوات التي ينبغي تفعليها للمحافظة على المصالح الاجتماعية في المرحلة المقبلة، تجاوزات شرعية واضحة بلغت حد التشهير ببعض الاتجاهات والشخصيات الاجتماعية، وإذاعة اتهامات رخيصة ضدها مخلوطة بالأكاذيب، لهتك مكانتها، أو الإضرار بها، والتأليب عليها، وتزيين ذلك كله وتلبيسه بلباس النصيحة الخالصة أو الغيرة الدينية أو المصلحة الاجتماعية.

ومن المعلوم أن التشهير بأي اتجاه أو جماعة أو شخصية اجتماعية بإذاعة خصوصياتها، أو بنشر اتهامات وادعاءات تؤدي إلى إدانتها أو ازدرائها أو القدح في سمعتها أو التشكيك في مصداقيتها، لتسقيطها أو الضغط عليها أو ابتزازها، مما يقطع بحرمته شرعاً، لدخوله تحت جملة من العناوين المحرمة، كالغيبة والبهتان وإشاعة الفاحشة، فإن كل ما دل على حرمتها دالٌ على حرمة التشهير بالمؤمنين صراحةً، لكونه من مصاديقها الظاهرة والجلية.

ونكتفي في إقامة الدليل على حرمة التشهير بالمؤمنين بأي نحوٍ كان بما دل على حرمة حب إشاعة الفاحشة فضلاً عن إشاعتها، كقوله سبحانه وتعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ).

وهو تهديدٌ ووعيدٌ لهواة التسقيط والتشهير، من الذين دفعتهم عقدة النقص أو الجهل أو الأحقاد والعصبيات ضد من يخالفهم في الاتجاه والرأي والموقف، إلى إذاعة خصوصياتهم، أو كشف أسرارهم، أو نشر اتهامات ملفقة وادعاءات مكذوبة ضدهم، تؤدي إلى إدانتهم وازدرائهم في محيطهم الاجتماعي، أو القدح في سمعتهم والتشكيك في صدقهم والتزامهم الديني والأخلاقي.

ولا ينبغي التوقف في دلالة الآية الكريمة على حرمة التشهير، بل ووضوح ذلك، لأن التهديد الوارد فيها دالٌ على الفراغ عن أصل الحرمة ووضحها في الارتكاز، ومضافاً إلى ذلك يكفي دخولها تحت حد الغيبة أو البهتان، لأن إذاعة أي خصوصيات مستورة أو أسرار مخفية أو اتهامات مجهولة إن كان مما يعلم صدقه ويقطع بتلبس صاحبه به، كان ذلك داخلاً في حد الغيبة، وإلا كان من البهتان والقول بغير علم، فالإذاعة محرمة على كل تقدير، كما لا يخفى.

وقد جاء عن محمد بن فضيل، عن أبي الحسن موسى عليه السلام قال: قلت له: جعلت فداك الرجل من أخواني يبلغني عنه الشيء الذي أكرهه، فأسأله عنه فينكر ذلك وقد أخبرني عنه قوم ثقات، فقال لي: يا محمد كذب سمعك وبصرك عن أخيك فإن شهد عندك خمسون قسامة وقال لك قولاً فصدقه وكذبهم، ولا تذيعن عليه شيئاً تشينه به، وتهدم به مروته فتكون من الذين قال الله: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ).
والرواية دالة بإطلاقها على أن كل ما يندرج تحت عنوان التشهير بالمؤمنين وإذاعة ما يشينهم داخل تحت مفهوم الآية الكريمة، من قبيل ترويح الشائعات الملفقة ضدهم، أو إذاعة خصوصياتهم، أو نشر اتهامات تؤدي إلى إدانتهم في محيطهم، ومن الواضح أن التشهير والإذاعة إن كان بقصد الإضرار فهو أولى بالحرمة والذم شرعاً وعقلاً.

ومنه يتضح أن ما يشاع ويذاع في وسائل التواصل الاجتماعي من شائعات مغرضة أو اتهامات ملفقة، أو صور أو مقاطع مسيئة بقصد توهين المؤمنين وازدرائهم أو إدانتهم أمام محيطهم، أو التشكيك في التزامهم الديني والأخلاقي، أو اتهامهم بأي وصفٍ أو عملٍ يتنافى مع المصلحة الاجتماعية العامة أو الخاصة، أو يتعارض مع الموازين الأخلاقية والعرفية، مما يؤدي إلى شينهم وهتك مروءتهم، كُله داخلٌ تحت عنوان التشهير موضوعاً وحكماً.

نعم، النصيحة الخالصة لها أبوابها وموازينها الأخلاقية والعرفية، وهي لا تلتقي بأي نحوٍ كان مع التشهير بالمؤمنين، فلا معنى لتزيينه وتغليفه بغلاف الغيرة الاجتماعية أو النصيحة الدينية أو عرضه في سياق النهي عن المنكر، بعد وضوح كونه من المنكرات، بل من الجرائم الاجتماعية القبيحة التي ينبغي على الحكماء التصدي لها، والعمل على إيقافها بكل المقدمات والوسائل الممكنة والمتاحة.

  • وانطلاقاً مما تقدم نتوجه بالوصايا التالية:

1- ضرورة تجنب التشهير بالمؤمنين وإذاعة خصوصياتهم، أو نشر أي اتهامات أو صور أو مقاطع مسيئة تؤدي إلى توهينهم أو إدانتهم أمام محيطهم الاجتماعي.
2- على من يريد إبداء النقد والنصيحة لأي شخصية أو جماعة مراعاة جانب الستر، والتقيد بالموازين الأخلاقية والعرفية.
3- ضرورة التصدي لظاهرة التشهير، والعمل على إيقافها بكل الوسائل الممكنة.