إلى الداخل العوامي

التحريض- في أدب الاختلاف وحدوده الشرعية (4)

الشيخ عباس السعيد

اتجه مسار الاختلاف الدائر في المجتمع العوامي في الموقف من بعض الشخصيات والأطراف والخطوط الثقافية والفكرية ومواقفهم من الأزمة الراهنة في ملفاتها السياسية أو الأمنية، إلى مرحلةٍ خطيرٍة، تجاوزت حد المواجهة الفكرية والإعلامية النزيهة، إلى التحريض العلني ضد المؤمنين الصادقين والعاملين المخلصين، وتهديدهم في أمنهم أو مصالحهم أو وجودهم، في تطورٍ خطيرٍ يفضي إلى نقل الاختلاف والخلاف بين الأطياف والأطراف إلى مرحلةٍ مظلمةٍ وقاتمةٍ، يغيب فيها الاستقرار والترابط الاجتماعي.

ومن الواضح للمتأمل، أن تحريض أي جهةٍ ضد أي شخصٍ أو اتجاه أو جماعة، باتهامها بأي وصفٍ أو عملٍ يدينها أمام محيطها الاجتماعي وإطارها الديني الذي تنتمي إليه، ويخرجها عن الموازين الأخلاقية والشرعية التي يتقوم بها عنوان الصلاح والعدالة، ليجعلها تحت طائلة الاستهداف في أمنها أو مصالحها أو وجودها، يعتبر من المحرمات التي تندرج تحت عنوان الإعانة على الإثم والعدوان، وحرمته من واضحات الفقه، كما لا يخفى.

ويمكن تقريب الاستدلال على حرمة التحريض ضد المؤمنين بما دل على حرمة الإعانة على العدوان، من قبيل ما جاء عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام قال: "إن العبد يحشر يوم القيامة وما أدمى دماً فيدفع إليه شبه المحجمة أو فوق ذلك، فيقال له: هذا سهمك من دم فلان، فيقول: يا رب إنك تعلم أنك قبضتني وما سفكت دماً، قال: بلى، إنّما سمعت من فلان بن فلان كذا وكذا فرويتها عنه فنقلت حتى صار إلى فلان فقتله عليها، فهذا سهمك من دمه".

ويقول سبحانه تعالى: (وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبَرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) . قوله تعالى: (وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبَرِّ وَالتَّقْوَى) خطابٌ وأمرٌ لكم أيها المؤمنون، بأن تتعالوا على الخلافات والتصنيفات الفكرية والحزبية، و تستجمعوا كل طاقاتكم الذاتية وتعملوا على تحريكها وتوجيهها في خط الخير والصلاح، وبناء التكتلات التي تطلق مشاريع اجتماعية رائدة، تبعث الأمل، وتستجيب لمتطلبات الواقع وتحديات المرحلة، والتي ينبغي أن تستثير كل ما في داخلكم من نوازع الخير والفضيلة.

قوله تعالى: (وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) إياكم أن تستسلموا لنوازعكم النفسية الشريرة، فتحرككم العصبيات الحزبية والفئوية للتعاون على الإثم و العدوان، فتشرعوا في تركيز طاقاتكم الذاتية وصبها في اصطفافات وتكتلات عدوانية، للانتقام من خصومكم، أو الاستقواء على من يخالفكم في الاتجاه والرأي والموقف.

قوله تعالى: (وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) عليكم بمراقبة الله ربكم، والخوف من عقابه، فهو (يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ) وهو محيط بكل ما تضمرونه من نوايا شريرة، فاتقوا الله وجنبوا أنفسكم أي تكتلات أو اصطفافات عدوانية، وتصدوا لأي ثقافة تحريضية تستهدف النيل ممن يخالفكم، والإعانة عليه، للإضرار به في أمنه أو مصالحه أو وجوده.

  • انطلاقاً مما نقدم نوصي بما يلي:

1- مواجهة الأفكار التحريضية والتحذير من خطورتها على الترابط والاستقرار الاجتماعي.
2- تشكيل أطر اجتماعية رائدة تبعث الأمل، وتستجيب لمتطلبات الواقع وتحديات المرحلة.
3- تجنب التكتلات و الاصطفافات التي تستهدف العدوان والتحريض ضد أي شخص أو طيف أو جماعة.