إلى الداخل العوامي

اختلاق الشائعات وترويجها- في أدب الاختلاف وحدوده الشرعية-(3)

الشيخ عباس السعيد

انعكس اختلاف المجتمع العوامي بكل أطيافه واتجاهاته وخطوطه الثقافية والفكرية في الموقف من أزمته الراهنة بالنظر لأسبابها وسبل مقاربة الحلول والعلاجات لكل ملفاتها السياسية والإنسانية والأمنية، على كيفية النظر لأحداثها الجارية وسبل التعامل مع ما يتصل بها من أخبار وشائعات ملفقة تُنشر في الفضاء الإعلامي الالكتروني، في سياق الاختلاف والخلاف الحاصل بين الاتجاهات والتي تمظهر في صورة تجاذبات ومناكفات بينية تجاوزت كل الموازين الأخلاقية والشرعية، في سبيل تسجيل نقاط أو تشكيل اصطفافات أو تصفية حسابات.

ولا يخفى أن اختلاق الأخبار المسيئة والشائعات المُغرضة ضد أي شخص أو اتجاه أو جماعة مخالفة أو غير مخالفة، والعمل على نشرها وترويجها، بقصد الإساءة، أو التشويه، أو التشهير، أو التحريض، أو إشعال قلاقل، يعتبر من جملة المحرمات التي شددت على حرمتها آيات الذكر الحكيم والروايات الشريفة.

ويمكن تقريب الاستدلال على حرمة نشر الأخبار المُسيئة و ترويج الشائعات المُغرضة التي تنال من المؤمنين، بقصد الإساءة أو التشهير أو إشعال الفتن، بما دل على حرمة مجرد حب إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا، والواردة في سورة النور، فتكون دالة على حرمة نشرها بالقصد المذكور بالأولوية.

يقول سبحانه وتعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لا تَعْلَمُونَ) . والفاحشة في كلمات اللغويين مطلق ما عُظم قُبحه من الأقوال والأفعال، ولا مُوجِب لتخصيصها بالعمل المنافي للشرف والعفة.

وقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا) تهديدٌ ووعيدٌ لمرضى القلوب الذين يحبون رواج الشائعات المُغرضة أو الأخبار المُسيئة التي تنال من المؤمنين، وتخدش في شرفهم أو إيمانهم وصلاحهم، ويعملون على تحريكها وترويجها في المجتمع الإيماني.

والمرجع في ذلك كله عقدة النقص المستأصلة في كيانهم، والتي تحرك فيهم النوازع الشريرة وتلوث قلوبهم بالحقد والكراهية، فيتجهون إلى التنفيس عن عقدة النقص التي تستولي على وجودهم، فيشرعون في نشر سمومهم ببث الأخبار المُسيئة أو اختلاق الأخبار الكاذبة التي تقدح في المؤمنين وتنسب لهم الأعمال المشينة، إما لعزلهم أو إسقاطهم من مكانتهم الاجتماعية، أو لإيجاد الحواجز النفسية بينهم وبين المؤمنين.

وفي ظل هذه المرحلة المفصلية والحساسة التي تمر بها العوامية والمليئة بالغموض والتشويش، وفي ظل تلبّد الفضاء العام بالمواجهات الكلامية والإعلامية، ما هي الأطر الشرعية والأخلاقية التي تحدد موقفنا من الأخبار المسيئة أو الشائعات الملفقة، والتي يتم اختلاقها وترويجها في وسائل التواصل الاجتماعي؟

يقول سبحانه وتعالى: (إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ* وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ).

قوله تعالى: (إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ) إيقاظٌ وتنبيهٌ لكم أيها المؤمنون، من أن تستقبلوا الشائعات والأخبار الملفقة التي تطعن في أي شخص أو اتجاه أو جماعة، بسذاجةٍ تامةٍ وغفلةٍ عميقةٍ عن آثارها السلبية وعواقبها الخطيرة، وبدون أن تتثبتوا وتتبينوا من وثاقة المصدر وإمكانية الاعتماد على نقله، فتساهموا في تناقل الشائعات وانتشارها ورواجها، مع أنكم تفتقدون إلى الدليل والحجة التي تُسوغ لكم نشر تلك الشائعات المُغرضة التي تنال من سمعة المؤمنين، أو تطعن في دينهم، أو تلحق بهم الأضرار الجسيمة في أمنهم ومصالحهم.

قوله تعالى: (وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ) لا ينبغي لكم أن تسترسلوا في ترويح الشائعات والأخبار الملفقة التي يطلقها بعض المغرضون والانتهازيون ومرضى القلوب، أو أن تشجعوا على بثها، أو أن تسعوا إلى التهوين من خطورة نشرها أو التخفيف من فداحة ترويجها، والحال أنه افتراءٌ عظيمٌ، وبهتانٌ مُبينٌ، لأنه إخبارٌ بغير علمٍ، ودعوى بدون دليل.

قوله تعالى: (وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا) دعوةٌ لكم أيها المؤمنون لأن يكون لكم موقفٌ صريحٌ من الشائعات المغرضة التي تتضمن دعاوى عريضة واتهامات خطيرة تنال من المؤمنين أو تلحق بهم الضرر في أمنهم ومصالحهم بأن تتجنبوا تحريكها وترويجها، بل وتبادروا بمحاصرتها والحد من انتشارها، ومطالبة مروجيها بإثبات ما تتضمنه من دعاوى واتهامات بالبينة الشرعية أو التوقف عن نشرها في صورة العجز عن إثبات مضمونها.

  • وانطلاقاً مما تقدم، نوصي بما يلي:

1- تحصين المجتمع ثقافياً وتوعيته بالضوابط الأخلاقية والشرعية في التعامل مع الأخبار المسيئة والشائعات المغرضة.
2- ضرورة التصدي للمُغرضين الذين يعملون على تلفيق الشائعات، أو نشرها وتحريكها، وذلك بمطالبتهم بالتثبت من وثاقة المصدر وإثبات الدعاوى التي تتضمنها الشائعات بالبينة الشرعية أو مطالبتهم بالتوقف عن نشرها إذا عجزوا عن إثبات مضمونها.
3- عدم الاسترسال في ترويج الأخبار المُسيئة أو الشائعات المُغرضة، أو التشجيع على بثها، أو التهوين من خطورتها بين المؤمنين.