إلى الداخل العوامي

التسقيط- في أدب الاختلاف وحدوده الشرعية (2)

الشيخ عباس السعيد

على وقع الأزمة التي تشهدها عوامنا الغالية وما رافق عملية إزالة المسورة من اختلافات بين الأطياف والأطراف في مقاربة الأسباب والحلول وكيفية التعاطي مع ملفاتها المختلفة، وما أعقبها من خلافات طفحت على السطح والفضاء الالكتروني العام في صورة تجاوزات بينية مشينة تعدت كل الأطر الشرعية والأخلاقية، ووصلت إلى تسقيط العلماء والعاملين المخلصين والمتصدين للشأن العام، في تطور خطير ينذر بتدمير كل الموازين الأخلاقية والضوابط الشرعية التي تحفظ الوحدة والاستقرار الاجتماعي.

إن تسقيط أي شخص له مقام ديني أو اجتماعي والنيل منه، والإساءة له، والتشهير به، والطعن في شرفه والتزامه الديني، أو اتهامه بكل وصفٍ يخرجه عن حد العدالة والاستقامة على جادة الشرع، يعتبر من المحرمات المغلظة التي شدد على حرمتها الدين الحنيف، لما في ذلك من تعدٍ على حرمة المؤمن، وهتك لشرفه وهدر لكرامته وتدمير لشخصيته المعنوية والدينية.

ولا ينبغي الاسترسال في التدليل على حرمة التسقيط ومذموميته ومبغوضيته الشرعية الثابتة ببعض الأدلة الخاصة أو العمومات القرآنية من قبيل قوله تعالى: (لاَّ يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ)، وقوله تعالى: (لاَّ يُحِبُّ) كناية عن مطلق المبغوضية، فالآية الكريمة دالة على مبغوضية المجاهرة بالكلام البذيء الذي ينال من سمعة الناس، ويخوض في سيئاتهم وعيوبهم، ويحط من سمعتهم ومنزلتهم، إلا المظلوم الذي يجاهر بظلامته. ومن الواضح أن التسقيط لأي شخصية، والطعن فيها مصداق من مصاديق هذا الفعل الشيطاني الجاهلي البغيض، الذي يدمر أساس الموازين الأخلاقية الاجتماعية.

وفي هذا الظرف الحرج التي تمر به العوامية المليء بالقلق والاضطراب والغموض والتشويش، ما هي الأطر الشرعية والأخلاقية التي ينبغي أن تحكم ملاحظاتنا النقدية على بعض الشخصية الدينية أو الاجتماعية المتصدية أو أي شخصية لها صلة بالأحداث الجارية، حال الإدلاء بها في حوارتنا البينية، أو تدوينها في الفضاء الالكتروني العام؟

إن النقد البناء لكل الرؤى والنظريات والمواقف الصادرة من كل الأطياف والأطراف والشخصيات الرمزية المتصدية حقٌ مكفولٌ للجميع بلا كلام، ولكن بشرط التقيد بالضوابط الأخلاقية والشرعية من قبيل:

أ‌- تجنب إساءة الظن والتحامل ومحاكمة النوايا.
ب‌- تجنب التنابز بالألقاب.
ت‌- تجنب لغة التشهير.
ث‌- تجنب لغة الشخصنة والربط بين الأفكار وبين أصحابها أو أفعالهم أو ظروفهم الشخصية. 
ج‌- تجنب الكذب والافتراء وفبركة الأحداث لتشويه الآخر وتدمير صورته المعنوية.

وأي نقد يتجاوز حد المناقشة العلمية والثقافية الهادئة للأفكار والنظريات والمواقف، وينحدر إلى لغة هابطة مغلفة بدرجة هائلة من الجهل والقدح أو الكذب أو التجريح أو التشهير أو الإساءات أو الاتهامات أو التنابز بالألقاب، للحط من قدر أي شخص أو طرف أو تيار وتصفيته معنوياً، بلا شك هو خارجٌ عن إطار المحاسبة والمراقبة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المشروع، وداخلٌ في حد التسقيط المحرم، والذي بالغت الروايات الشريفة في ذمه واستنكاره والتنديد بفاعله.

جاء عن مفضل ابن عمر قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: "من روى على مؤمن رواية يريد بها شينه وهدم مروءته ليسقط من أعين الناس أخرجه الله من ولايته إلى ولاية الشيطان فلا يقبله الشيطان."

وقال سبحانه وتعالى: (لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ). قوله تعالى: (لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ) خطابٌ وتحذيرٌ إلهيٌ لكم أيها المؤمنون من أن تحملكم مشاعر البغضاء والكراهية أو الهوى أو الحزبية أو العصبية الكامنة في قلوبكم ضد أي شخص أو جماعة أو مذهب -والتي ولّدها اختلافكم معهم في الأفكار والأنظار أو تعارض المصالح الحزبية والفئوية- إلى مجانبة العدل والإنصاف والتجاوز عليهم في الحكم والكلمة والموقف، بهدر حقوقهم المادية، أو هتكهم والسعي لإسقاطهم من مقامهم الديني أو الاجتماعي.

فإن المرجع في ذلك كله إلى الاسترسال وراء الأهواء والعصبيات، التي تلوث قلوبكم وتحجبها عن الشعور بقيمة العدل والقسط والإحسان وسائر القيم الإنسانية النبيلة، فتنصرف عقولكم عن رؤية الحقائق الواقعية الثابتة، إلى أن يدفعكم الهوى إلى الإغماض عنها، والهرولة بل الاستماتة لإثبات ما يخالفها بأي ثمنٍ يمكنكم من ظلم من يخالفكم وهدر حقوقه المادية والمعنوية.

إنها عقدة العصبية المقيتة التي إن استرسلتم معها غشيكم لوث على قلوبكم، وحجابٌ على عقولكم، و أكنة على بصائركم، وأصابكم داء التحامل والتعامي والعدوان والتجاوز على من يخالفكم.

قوله تعالى: (اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) فإن من يتقي الله ويراقبه في انطباعاته ومشاعره، وكلماته وأقواله، ومواقفه وأحكامه، مع من يخالفه في الرأي والاتجاه، يلزم جادة العدل والإنصاف. وكل ما نراه من ظلمٍ فاحشٍ، وتجاوزٍ سافر، وبغٍي مُتهتك، وتسقيطٍ مقيتٍ، مشحونٍ بأطنان من الشتم، والقدح، والتخوين، والتشهير، والكذب، والتلفيق، والتحامل، ومحاكمة النوايا، فإن مرجعه غياب التقوى وانعدام مراقبة الله في انطباعتنا ومشاعرنا، وكلماتنا وأقوالنا، ومواقفنا وأحكامنا.

  • وانطلاقاً مما تقدم، نوصي بما يلي:

1- ينبغي التقيد بالضوابط الأخلاقية والشرعية عند إبداء أي ملاحظة نقدية على أي شخص أو طيف أو اتجاه، ولزوم تجنب التسقيط بكل مصاديقه المحرمة، كالتخوين، والتشهير، والتجريح، والكذب والتلفيق، والشخصنة، والتنابز بالألقاب، ومحاكمة النوايا، والطعن في العدالة، وإساءة الظن والتحامل على المؤمنين والعاملين الذين يتصدون للشأن العوامي الداخلي.

2- ضرورة التحرر من مشاعرنا النفسية المسبقة من ميلٍ أو هوى أو تحامل أو عصبية قبل إصدار أي حكم ضد من يخالفنا في الرأي والموقف.

3- ضرورة مراقبة الله سبحانه والأخذ بالاحتياط والتريث، وعدم اتخاذ مواقف نهائية كاسحة ضد من يخالفنا في الرأي والاتجاه والموقف قبل استجلاء الرؤية من جميع الزوايا ذات الارتباط.

4- ينبغي التصدي لظاهرة التسقيط ومحاصرتها ثقافياً، ونشر ثقافة بديلة قائمة على الوسطية والاعتدال تراعي أدب الاختلاف وحدوده الشرعية والأخلاقية.