إلى الداخل العوامي

في أدب الاختلاف وحدوده الشرعية (1)

الشيخ عباس السعيد

اختلاف المجتمع العوامي بكل فئاته ومشاربه وأطيافه الدينية والفكرية على خلفية ما شهدته البلدة من أحداث وما رافقها من تجاذبات ومماحكات فكرية وجدلية برزت على السطح بوتيرة محمومة ومتصاعدة في وسائل التواصل الاجتماعي، وإن كان يمثل مصداق طبيعي لظاهرة اجتماعية تبرز عند كل مجتمع يواجه أزمة حقيقية تهدد ضروراته النوعية ومصالحه العامة ومكتسباته الحضارية، إلا أن أي اختلاف اجتماعي لا يلتزم بأدب الاختلاف ولا يتقيد بالموازين الأخلاقية التي يقررها الشرع وينطق بها العقل والواجدان والفطرة السليمة، سيتحول إلى خلاف مدمر وصراع مفتوح يستنزف قوة المجتمع ويذهب بطاقاته وقدراته الذاتية.

وانطلاقاً من حرصنا على بلدتنا الغالية "عوام" وإيماننا منا بأهمية تحصين مناخها العام من كل الانحرافات والتجاوزات التي قد تطرأ على حواراتها النقدية أو تتمظهر في صورة تراشقات أو منكافات بيينية تهدد الترابط الأهلي والنسيج الاجتماعي الداخلي، أضع بين أيديكم جملة من المحرمات الشرعية التي ينبغي تجنبها والتصدي لها ومحاصرتها في المرحلة الراهنة والقادمة:

1-التسقيط واعتماد لغة التخوين والتشهير. 2- ترويح الشائعات والمسارعة في نشر الأخبار المغلوطة. 3-إساءة الظن والتحامل بين الأطياف والأطراف. 4- الكذب والتقول للإضرار بالآخر المختلف. 5- التحريض ضد الأطياف والأطراف والأشخاص. 6- التطرف والعنف الفكري. 7- الصد عن سبيل الله. 8- التنابز بالألقاب. 9- العدوان أو التصفية المادية. 10- تصفية الحسابات وإثارة الأحقاد والعصبيات الحزبية والفئوية. 11- الغيبة والنميمة. 12- التعدي على الحقوق والتضييق على الحرية الشخصية كحق السكن وحق مزاولة الأنشطة الاجتماعية. 13- تبادل الاتهامات والتعبئة السلبية.

وفي هذا الظرف المفصلي في تاريخ العوامية، كيف ينبغي أن يكون الخطاب البيني الداخلي، وما هي منطلقاته وأهدافه وأطره الشرعية والأخلاقية؟ إن أي خطاب يصدر من نفسية انفعالية تتحرك من خلفية حزبية مريضة مستسبعة لن نحصد منه إلا تلويث القلوب وشحن النفوس ونهش العلاقات بأنياب الحقد والبغضاء والكراهية، وكما قال الشاعر:

لا يُرتجى الماء من بئر معطّلــةٍ**** أو يُجتنى ثمرٌ من عاقر الشجرِ

أما الخطاب الذي يصدر من فكرٍ رصين، ووعيٍ متألق، وروحيةٍ نظيفةٍ متقيدةٍ بالأطر الشرعية والأخلاقية، ومتحررةٍ من العصبية الحزبية والفئوية، فسيثمر للقلوب طهارةً، وللنفوس صفاءً، وللعلاقات قوةً وارتباطاً.
يقول تعالى: (وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا).

قوله تعالى: (وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) خطابٌ وتوجيهٌ للمؤمنين، بكل انتماءاتهم ومشاربهم وتوجهاتهم الثقافية والفكرية، أن يتمسكوا بالحكمة ويقدموا أفضل الأفكار والرؤى والمقاربات في حواراتهم البينية وما يدلونه في الفضاء العام، وأن يتوخوا أفضل الوسائل وأنسب الكلمات التي تهدأ النفوس وتهدي القلوب وتنشر الخير والمحبة، وتنقي المناخ العام من عناصر التهييج والصدام والإثارة، وتبعد الساحة الداخلية عن التجاذبات والمناكفات البينية.

قوله تعالى: (إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا) تحذيرٌ من الأفكار والأساليب السيئة المُهيجة المُستفزة التي ينفذ منها شياطين الجن والإنس لدق اسفين الصراع والفتنة، من خلال تحريك العصبيات الذاتية والحزبية التي تستهلك الأشخاص والأطراف والأطياف في حلقة مفرغة من الأفعال وردود الأفعال. 

ومهما كان حجم الاختلاف الحاصل بين الأطياف والأطراف والأشخاص على أي ملف من الملفات الخلافية، ينبغي التمسك بكلمة العدل وإنصاف الآخر في كل ما نطلقه من كلمات في حوارات بينية، أو تصريحات علنية وغير علنية.

يقول سبحانه وتعالى: (وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ) والتزام كلمة العدل مسؤولية شرعية وأخلاقية، بها تحفظ الحقوق، وتلتقي القلوب، وترص الصفوف، وتقتلع الأحقاد والضغائن، وتعم المحبة والخير والصلاح.

وقال تعالى: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ).

قوله تعالى: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ) بيانٌ بأن المجتمع الإيماني مهما تنوعت خطوطه الفكرية وتباينت مشاربه الثقافية وحدة واحدة محكومة بالولاية الإيمانية التي تثبت لبعضه على بعض، وتذوب فيها الانتماءات الفكرية الفرعية، وتربط أفراده برابطة المحبة والقرابة والإخلاص، وتدعوهم إلى التصدي للمنكرات ومحاصرة كل المحرمات التي تفرق وحدته الإيمانية.

  • وانطلاقاً مما تقدم نوصي بما يلي:

1- توخي أحسن الأفكار والمقاربات والأساليب في حواراتنا وفيما ندليه في الفضاء الالكتروني العام.
2- تجنب خطابات التهييج والاستفزاز والإثارة التي تساعد على دق اسفين الصراع والفتنة.
3- الصدع بكلمة العدل في إنصاف الآخر لتلتقي القلوب على المحبة وتقتلع الأحقاد والضغائن.
4- إبعاد الساحة عن التجاذبات والمناكفات البينية.
5- التصدي لكل التجاوزات والممارسات المشينة التي تهدد الترابط الأهلي والنسيج الاجتماعي.